وهبة الزحيلي

189

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

التفسير والبيان : انظر يا محمد وتعجّب من صنع هؤلاء اليهود الذين يحفظون بعض كتابهم الذي أوحاه اللّه لنبيّهم موسى عليه السلام ، وفقدوا سائره أو حرّفوه وغيّروه ؛ لأن التّوراة كتبت بعد موسى بخمسمائة سنة ، وبقي الجزء الذي فيه بشارة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وموضع العجب : أنهم يرفضون قبول حكم كتابهم ، حينما زنى بعض أشرافهم ، وحكّموا النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فحكم بمثل حكم التّوراة ، فتولّوا وأعرضوا عن قبول حكمه . وعمم ابن كثير الآية وجعلها إنكارا على اليهود والنصارى المتمسكين فيما يزعمون بكتابيهم اللذين بأيديهم ، وهما التّوراة والإنجيل « 1 » . فإذا دعوا إلى حكم الكتاب تولى فريق منهم أي بعد تردّد في قبول الحكم ، ثم أدبروا وهم معرضون . وفي قوله : فَرِيقٌ مِنْهُمْ إشارة إلى أن منهم طائفة متمسكة بالحق كعبد اللّه بن سلام وغيره ، كما قال تعالى : وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [ الأعراف 7 / 159 ] . وفي قوله : وَهُمْ مُعْرِضُونَ إشارة إلى دوام إعراضهم . ثم ذكر اللّه تعالى سبب هذا التّولي والإعراض أو العناد والجحود : وهو اعتقادهم النّجاة ، فاليهودي يعتقد أنه مهما فعل لن يدخل النار إلا أياما معدودة ، ثم يدخل الجنة ، فلم يبالوا بارتكاب المعاصي والذنوب ، اعتمادا على اتّصال نسبهم بالأنبياء . وهذه الآية مثل قوله تعالى : وَقالُوا : لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً ، قُلْ : أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً ، فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ، أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ؟ [ البقرة 2 / 80 ] . ولم يثبت في عدد الأيام التي يدخلون فيها النار شيء ، وقيل : هي أربعون يوما ، وهي مدّة عبادتهم للعجل .

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير : 1 / 355